عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

66

معارج التفكر ودقائق التدبر

ممارس السّحر ، مع تلاوة ألفاظ خاصّة تستدعي القرناء . ولمّا كانت هذه الأنفس الشرّيرة الخبيثة من الجنّ لا تقارن إلّا أمثالها من النفوس البشريّة ، فإنّ وسائل التّقرّب إليها واستخدامها إنّما تكون بألفاظ وأفعال مليئة بالكفريّات غالبا ، وفيها الكثير من النجاسات والقذارات . ومن يستخدم شيئا من الشركيّات أو الكفريّات الأخرى في أعمال السّحر ، فهو كافر حلال الدّم . ولهذا قال الإمام مالك : الساحر كافر ، حيثما وجد قتل ولا يستتاب ، وإلى هذا الرأي ذهب الإمام أحمد ، وطائفة من الصحابة والتابعين . أمّا جمهور الفقهاء فإنّهم يقولون بكفره ، إذا استخدم في سحره بعض المكفّرات ، أمّا إذا لم يستخدم شيئا من المكفّرات القوليّة أو الفعليّة فلا يكفر ، لكنّه يكون قد ارتكب كبيرة من كبائر الإثم العظمى ، الّتي شدّد الإسلام في تحريمها ، ولو لم يستخدم السّحر في الإضرار بأحد من النّاس ، لأنّه مسلك خطر قلّما ينجو من فتنته أحد تعلّمه ومارسه . ونحن نؤمن بأنّ الإضرار بالسّحر لا يتمّ إلّا بالتمكين والتسخير والإذن من اللّه عزّ وجلّ ، وبقضاء اللّه وقدره ، وجعل الأسباب تؤثّر في تحقيق مسبّباتها ، كسائر الأسباب الظّاهرة غير الخفيّة . إنّ الأسباب الظّاهرة والأسباب الخفيّة سواء في أنّها لا تؤثّر إلّا بقضاء اللّه وقدره ، تمكينا ، وتسخيرا ، وإذنا ، ولو كان المستخدم لها مذنبا عاصيا للّه عزّ وجلّ ، كقتل من يقتل بغير حق عمدا وعدوانا ، بسيف ، أو بسلاح ناريّ ، أو بدسّ سمّ ، أو بتوجيه شعاع قاتل لا تدركه الأبصار ، أو باستخدام قوى أخرى خفيّة ، كالنفوس الشرّيرة من الجنّ . ومن هنا ندرك أنّ تخصيص استعاذة خاصّة بربّ الفلق ، من شرّ النّفّاثات في العقد ، بعد التّعميم بآيتين سابقتين ، فيه معنى الالتجاء الخاصّ